مراجعة كتب ابن قتيبة: قراءة في موقفه الثقافي <br> (A Review of Ibn Qutaybah’s Books: An Overview of his Intellect)

Authors

  • نايف محمد العجمي (Naif Mohamed al-Ajami) أستاذ مساعد

DOI:

https://doi.org/10.31436/jlls.v5i2.177

Abstract

مقدمة:  

ثَمَّة مقولة شهيرة في الثقافة العربية الإسلامية تناظر بين الجاحظ (255هـ) وابن قتيبة (276ﻫ) على المستوى العقدي والثقافي، خلاصتها أن ابن قتيبة  كان لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، وتسعى هذه الورقة إلى تحليل الموقف الثقافي  لابن قتيبة من مشكلات عصره الذي شهد صراعاً ثقافياً بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات الوافدة.

                   وقبل الحديث عن شخصية ابن قتيبة وتحليل موقفه الثقافي، وإلقاء الضوء على منزلتهِ بين علماء عصره، وما ترك من مؤلفاتٍ دالة على قيمته العلمية، لا بدَّ للباحث من التوقُّف قليلاً عند السياق الحضاري والثقافي الذي عاش فيه ابن قتيبة لما لذلك من أثر بالغ في توضيح موقفه الثقافي من عصره وثقافته التي بدأت تخضع للتأثير اليوناني والفارسي على وجه الخصوص، وفي هذا السياق يمكن الاستفادة من المقِّدمة القّيمة التي كتبها ثروت عكاشة لكتاب "المعارف" لابن قتيبة، حيث قدَّم عرضاً جيداً للعصر الذي عاش فيه هذا العالم الموسوعيّ، ابتداءً من بناء مدينة بغداد التي فرغ أبو جعفر المنصور من بنائها سنة 146ﻫ وسمّاها "مدينة السلام"،  وكيف أنها ظَّلت دار الخلافة للعباسيين حتى أيام المعتصم بالله (ت 218ﻫ) الذي أكثر من استقدام الجند الأتراك بسبب عدم اعتماده على القبائل العربية، فضاقت بغداد بهم، فخرج المعتصم إلى "سُرَّ منْ رأى" التي ابتناها وجعلها داراً للخلافة سنة 221ﻫ، وظلت داراً للخلافة حتى زمن المعتمد الذي تولى الخلافة من الفترة (256ﻫ-279ﻫ)، حيث قام قبل وفاته بعام (278ﻫ) بالرجوع إلى بغداد والاستقرار فيها، وجعلها داراً للخلافة كما كانت في سالف الأزمان.[i]

                   لقد اعتاد المؤرخون على الاشارة إلى عصر الخليفة المأمون (168ﻫ-218ﻫ) على أنه قمة الازدهار العلمي والثقافي للحضارة العربية الاسلامية عموماً، ولمدينة بغداد على وجه الخصوص، وهذا إن كان صحيحاً من وجهٍ، فإن الحقيقة العلمية التاريخية تشير إلى جهود ضخمة سبقت هذا العصر ابتداءً من أبي جعفر المنصور (134ﻫ-158ﻫ) الذي أرسى دعائم النهضة العلمية والأدبية في بغداد، وتفرَّغ لنشر العلوم، واستدعى المترجمين، ونقل إلى مدينة السلام خزائن الكتب، واستقدم إليها العلماء، وقرّب إليه علماء الفقه والحديث. ويذكر ابن الأثير أنه كان له بعض المدوّنات العلمية[ii] في إشارة إلى حرصه الشديد على العلم والتعلّم، بل إن الجاحظ يذكر أن أبا جعفر المنصور كان من أصحاب الذوق في الشعر الذي يقوى به على نقد الشعر ومعرفة جيد القول من رديئه، والمنحول والمسروق،[iii] وبعد وفاة المنصور جاء ولده المهدي (158ﻫ-171ﻫ) فأكمل مسيرة والده في العناية بالعلوم والمعارف. ويذكر ثروت عكاشة أنّ معاوية بن يسار وزير المهدي كان أول من وضع له كتاب "الخراج" حيث (ذكر فيه أحكامه الشرعية ودقائقه وقواعده)،[iv] ومن المعروف من أخبار المهدي أن المفضّل الضبّيّ قد ألف له "المفضليات"[v] التي تعَدُّ من عيون الشعر العربي، وتحمل دلالة واضحة على مدى اهتمام الخلفاء العباسيين بتنشيط الحركة العلمية في بغداد وغيرها من المدن.

                   وبعد وفاة المهدي جاء ولده هارون الرشيد (171ﻫ-193ﻫ) وكان عصره بداية العصور الذهبية للحضارة العربية الاسلامية، فاعتنى عنايةً فائقة بالعلوم والآداب والفنون، ويذكر ابن الجوزي أن هارون الرشيد كان يحب العلم ويؤثره ويستفيد منه، فنال علماً كثيراً، وكانت له فطنة قوية،[vi] ونقل عن أبي سعيد بن مسلم أنه قال: (كان فَهْمُ الرشيد فوق فهم العلماء، وكان يتواضع لأهل العلم والدين)،[vii] فانعكس ذلك كلّه على الحياة الثقافية في بغداد، وقد لخص ثروت عكاشة تلك الحالة الثقافية الفريدة التي بلغتها بغداد في عصر الرشيد بقوله: (وتنتقل الأمور إلى الرشيد، ولم يكن دون سابقيه رغبة في العلم وحبّاً للعلماء..... ولقد أفسح للعلماء والحكماء والأدباء، وبذل الكثير من المال لنشر العلوم والفنون، وبلغت بغداد في أيامه مكانة لم تظفر بها مدينة في ذلك العهد، وأصبحت مهْدَ الحضارة، ومركزاً للفنون والآداب وزخرت بالأدباء والعلماء والحكماء، وأُنشئت فيها المراصد والمكتبات والمدارس، وإليه يُعزى تأسيس بيت الحكمة الذي جمع له من الكتب شيئاً كثيراً، وكان مجتمع المتّصلّين بالعلم، والمشتغلين بالفن والراغبين في الأدب).[viii]

                   وبعد وفاة الرشيد جاء ولده محمد الأمين (193ﻫ-198ﻫ) فثارت نار الفتن في بغداد، وكان عهده لم يَدُمْ طويلاً، فجاء الخليفة عبدالله المأمون (198ﻫ-218ﻫ) الذي بلغت الحضارة الإسلامية في عهده ذروة مجدها واكتمالها، وقد لخص المؤرخ صاعد بن أحمد الأندلسي حالة بغداد العلمية الزاهرة التي بلغتها بقوله: (ثم لمّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبدالله المأمون بن هارون الرشيد تممّ ما بدأ به جدُّه المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة وقوة نفسه الفاضلة، فراسل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسلهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبقراط وجالينوس وأوقليدس وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة، فاستجادَ لها مهرةَ التراجمة، وكلّفهم إحكام ترجمتها، فترجمت على غاية ما أمكن، ثم حضَّ الناس على قراءتها، ورغّبهم في تعليمها، فثقفت سوق العلم في زمانه، وقامت دولة الحكمة في عصره، وتنافس أولو النباهة في العلوم لما كانوا يرون من إحصائه لنتحليها واختصاصه لمتقلديها، فكان يخلو بهم، ويأنس بماظرتهم، ويلتذُّ بمذاكرتهم، فينالون بذلك عنهد المنازل الرفيعة والمراتب السّنية، وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر، فأتقن جماعة من ذوي الفنون والتعلُّم في أيامه كثيراً من أجزاء الفلسفة، وسنُّوا لمن بعدهم منهاج الطبّ، ومهّدوا أصول الأدب حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الروسية أيام اكتمالها وزمان اجتماع شملها).[ix]

                   يشير هذا الاقتباس الطويل إلى الحالة العلمية الزاهرة التي بلغتها بغداد الدولة العباسية في عصر المأمون، وهو العصر الذي ولد فيه ابن قتيبة كما سنذكره فيما بعد، وفيه دلالة انتشار العلوم العقلية والفلسفية وسيطرتها على ذلك العصر، وهو الأمر الذي سيدفع ابن قتيبة إلى اتخاذ موقف المقاومة على المستوى الثقافي والعلمي على تأليف الكتب التي تشيد بعظمة الثقافة العربية الإسلامية، وضرورة الحفاظ عليها في وجه هذا الغزو الثقافي الكبير الذي شهدته بغداد في عصر المأمون.


[i] انظر: ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، كتاب المعارف، ط4، حققه وقدّم له: ثروت عكاشة، (القاهرة: دار المعارف، 1981م)، ص6.

[ii] انظر: ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، الكامل في التاريخ، ط1، تحقيق: عبد السلام تدمري، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997م)، ج1، ص7.

[iii] انظر: الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، (بيروت: دار الفكر العربي، 1983م)، ج2، ص156.

[iv] ابن قتيبة، عبدالله بن مسلم، كتاب المعارف، ص8.

[v] القفطي، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف، إِنباه الرواة على أَنباه النحاة، ط1، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (بيروت: المكتبة العصرية، 1994م)، ج3، ص203.

[vi] انظر: ابن الجوزي، أبو ﺍﻟﻔﺮﺝ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﲪﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﳏﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ط1، تحقيق: محمد عبد القادر عطاء مصطفى عبد القادر عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992م)، ج8، ص322.

[vii] السابق نفسه، ج8، ص323، ويذكر أبو الفرج الأصفهاني أنّ هارون الرشيد كان يحفظ شعر ذي الرمة. انظر: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني، الأغاني، ط2، تحقيق: سمير جابر، (بيروت: دار الفكر، بدون تاريخ)، ج5، ص249.

[viii] ابن قتيبة، عبدالله بن مسلم، كتاب المعارف، ص9.  

[ix] الأندلسي، أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي القرطبي، طبقات الأمم، تحقيق وتعليق: حسين مؤنس، (القاهرة: دار المعارف، 1998م)، ص64.

Author Biography

نايف محمد العجمي (Naif Mohamed al-Ajami), أستاذ مساعد

وزارة التربية والتعليم، دولة الكويت

How to Cite

(Naif Mohamed al-Ajami) ن. م. ا. (1). مراجعة كتب ابن قتيبة: قراءة في موقفه الثقافي <br> (A Review of Ibn Qutaybah’s Books: An Overview of his Intellect). مجلة الدراسات اللغوية والأدبية (Journal of Linguistic and Literary Studies), 5(2). https://doi.org/10.31436/jlls.v5i2.177

Issue

Section

Review & Evaluation